السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )
92
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي
من معايير علمية ثابتة ، يفسّر الظاهرة من خلالها ويصدر حكمه وفقا لها . على هذا الأساس يصدر علماء الغرب من تصوّر للدين ينظر إليه كظاهرة اجتماعية تنتهي بالتحليل - تماما كالمجتمع - إلى سلسلة من العوامل الطبيعية . فجميع الأديان بما فيها الاسلام لا تعدو بنظر الباحثين الغربيين - هذا إذا حسنت نظرتهم إلى الدين - أن تكون مجرد معطيات أفرزتها عبقرية ثلة من الرجال الذين يتحلون بنبوغ عقلي واضح وصفاء نفسي ، ولهم من الذكاء الوافر والإرادة الصلبة ما يدفعهم لبلورة مجموعة من ضوابط الاصلاح الاجتماعي على صعيد الاخلاق والاعمال يضعونها بين الناس ويحثون المجتمع للالتزام بها واقتفاء آثارها بوصفها الطريق الموجب لتحقيق السعادة . وهذا النمط من الضوابط يتكامل تدريجيا تبعا لنمو المجتمعات البشرية ، ليكتسب اشكالا متغيّرة تفضي به إلى التكامل . ثم انّ الحسّ والتجربة ومعطيات التأريخ تدل على انّ المجتمع الانساني يتحرك تدريجيا صوب الكمال ، وانّ البشرية تقطع مسارها الحياتي كلّ يوم نحو المزيد من التقدم والمدنية . هذه النظرة تتأكد أكثر بلحاظ ما انتهت إليه نتائج البحوث النفسية والقانونية والاجتماعية وحتى الفلسفية وبالذات ما نتج عن « المادية الديالكتيكية » من معطيات تؤكّد ان المجتمعات لا تبقى هكذا ساكنة مستقرة ، وكذلك الحال بالنسبة للضوابط والاحكام الاجتماعية التي تتغير بدورها تبعا لتغير الحالة الاجتماعية . فما كان من الاحكام والضوابط قادرا على تحقيق السعادة يوم كان الانسان يعيش حياة بدائية بسيطة يتغذى فيها على ثمار الغابات ويمضي حياته في كهوف